قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: 6].
هذه الآية القصيرة تحمل وصفًا عميقًا لحالة نفسية وسلوكية قد يقع فيها الإنسان حين يفقد إحساسه الحقيقي بالنعم، فيتحول من كائن مُكرَّم أُغدقت عليه العطايا إلى إنسان سلبي يائس لا يرى إلا الجانب المظلم من الحياة. والكنود في لغة العرب هو الكفور الجحود، كما يُقال للأرض التي لا تُنبت ولا تعطي رغم ما يُبذل فيها من ماء وعناية: “أرض كنود”. وكأن القرآن يريد أن يقول إن بعض الناس تُغدق عليهم النعم من كل جانب، لكن أرواحهم تبقى قاحلة، لا تُثمر شكرًا، ولا تُنتج خيرًا، ولا تنعكس عليهم تلك النعم أملاً وعطاءً وحيوية.
إن الإنسان بطبيعته يتطلع دائمًا إلى المزيد، وقد ينسى سريعًا ما بين يديه من نعم. لكنه حين يفقد روح الشكر، يتحول تدريجيًا إلى شخص يرى النقص في كل شيء، ويشعر بالحرمان حتى وهو محاط بالعطايا. وربما يملك الصحة، والأهل، والأمان، والقدرات، والفرص، لكنه يعيش بعقلية الفقير المعدم، لا يرى إلا ما ينقصه، ولا يشعر إلا بالخوف مما قد يفقده. وهنا تتولد السلبية التي تقتل روح الإنسان من الداخل.
لقد أراد الله تعالى من النعم أن تكون طاقةً للحياة والبناء، لا سببًا للجمود والانطفاء. فشكر النعمة ليس مجرد كلمات تُقال باللسان، بل هو موقف عملي يترجم الإيمان إلى إنتاج، والخير إلى خدمة، والعطاء إلى أثر في المجتمع. قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: 13]، فجعل العمل نفسه صورة من صور الشكر. فكل نعمة لا تتحول إلى خير نافع للناس تبقى ناقصة الأثر، وربما تنقلب على صاحبها حسرةً وضيقًا.
إن من أكثر المشاهد إيلامًا أن ترى إنسانًا يعيش وسط النعم لكنه غارق في التشاؤم والخوف واليأس. لا يتحدث إلا بلغة الإحباط، ولا يرى المستقبل إلا ظلامًا، ولا ينقل إلى من حوله إلا القلق والانكسار. وإذا جالسته خرجت من عنده مثقل الروح، لأن السلبية ليست شعورًا فرديًا فقط، بل عدوى تنتقل بالكلمات والنظرات وطريقة التفكير. وقد وصف القرآن هذه الحالة المضطربة في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ [فصلت: 49]، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ [المعارج: 19-20]. فحين يغيب اليقين، يصبح الإنسان هشًّا أمام الأحداث، ينهار سريعًا، ويستسلم للخوف من المستقبل.
والمشكلة أن الإنسان السلبي لا يكتفي بإتعاب نفسه، بل يطفئ الحماس في نفوس الآخرين. فهو دائم التوقع للأسوأ، دائم الاعتراض، يهوّل العقبات، ويزرع الشك في كل مشروع أو فكرة أو أمل. وإذا رأى ناجحًا قلل من نجاحه، وإذا رأى متفائلًا سخر من تفاؤله، وكأن روحه لا تستطيع احتمال رؤية الضوء في حياة الآخرين. وهؤلاء يعيشون حالة سماها القرآن “المعيشة الضنك”، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: 124]. فالضيق ليس دائمًا ضيق المال، بل قد يكون ضيق الروح، وضيق النظرة، وضيق القلب الذي لا يعرف الطمأنينة.
وفي المقابل، يقدم القرآن صورة الإنسان المؤمن الشاكر الذي يرى النعمة مسؤولية ورسالة، لا مجرد متعة عابرة. فهذا الإنسان يعيش بروح إيجابية لأنه يعلم أن الله معه، وأن الحياة مهما قست فإن فيها أبوابًا للخير لا تنغلق. ويؤمن بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6]. فالمؤمن لا ينكر وجود الصعوبات، لكنه لا يسمح لها أن تسحق روحه. إنه يواجهها بالأمل والعمل والتوكل.
والإيجابية في المنظور القرآني ليست تفاؤلًا ساذجًا، بل هي ثمرة اليقين بالله. فحين يمتلئ القلب بالإيمان، يشعر الإنسان أن لكل محنة حكمة، ولكل تعب نهاية، ولكل ليل فجرًا قادمًا. ولذلك قال سبحانه: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. فالطمأنينة ليست نتيجة الظروف المثالية، بل نتيجة العلاقة الصحيحة بالله.
إن أخطر ما يفعله الإنسان بنفسه أن يحوّل النعم إلى أسباب للتذمر بدل أن يجعلها دوافع للعطاء. فكم من إنسان أُعطي العقل والعلم والوقت والمال والصحة، لكنه عطّل هذه النعم بالخوف والكسل والتشاؤم، حتى أصبح وجوده هامشيًا لا أثر له. بينما هناك من يملك القليل، لكنه يعيش بروح ممتلئة بالشكر، فيصنع من القليل خيرًا كثيرًا، وينشر الأمل أينما حلّ.
ولهذا كان الشكر في الإسلام طريقًا للزيادة والنماء، قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]. والزيادة هنا لا تعني المال فقط، بل تعني اتساع الروح، وراحة النفس، وبركة الحياة، والقدرة على التأثير الإيجابي في الناس. فالإنسان الشاكر يشعر أن له دورًا في هذه الحياة، وأن عليه أن يترك أثرًا جميلًا، ولذلك يعيش منتجًا متفائلًا نافعًا.
إن العالم لا يحتاج إلى مزيد من الأصوات المحبطة بقدر حاجته إلى النفوس التي تبعث الطمأنينة والأمل والعمل. فالحياة مهما امتلأت بالصعوبات تبقى جديرة بالسعي، والإنسان مهما أثقلته الهموم يبقى قادرًا على النهوض إذا امتلأ قلبه بالإيمان والشكر. أما الكنود، فإنه يحوّل حياته إلى أرض قاحلة، لا تُنبت خيرًا ولا تمنح من حولها إلا الجفاف النفسي. ومن هنا نفهم لماذا كان الشكر في القرآن عبادةً عظيمة، لأنه يحرر الإنسان من السلبية، ويعيد إليه إنسانيته المشرقة، ويجعله مصدر نور بدل أن يكون مصدر ظلام.
عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام، قَالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم النَّاسَ، فَقَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشِرَارِكُمْ؟ قَالُوا: بَلى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم: الَّذِي يَمْنَعُ رِفْدَهُ، وَيَضْرِبُ عَبْدَهُ، وَيَتَزَوَّدُ وَحْدَهُ؛ فَظَنُّوا أَنَّ اللهَ لَمْ يَخْلُقْ خَلْقاً هُوَ شَرٌّ مِنْ هذَا.
ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْ ذلِكَ؟ قَالُوا: بَلى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم: الَّذِي لَا يُرْجى خَيْرُهُ، وَلَا يُؤْمَنُ شَرُّهُ؛ فَظَنُّوا أَنَّ اللهَ لَمْ يَخْلُقْ خَلْقاً هُوَ شَرٌّ مِنْ هذَا.
ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْ ذلِكَ؟ قَالُوا: بَلى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم:
الْمُتَفَحِّشُ اللَّعَّانُ، الَّذِي إِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ الْمُؤْمِنُونَ لَعَنَهُمْ، وَإِذَا ذَكَرُوهُ لَعَنُوهُ». الكافي: ج3، ص715، باب في أصول الكفر وأركانه.