بدأت نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة تسجل اختراقات غير مسبوقة في عالم الرياضيات، بعدما أظهرت قدرة متنامية على حل مسائل عالية التعقيد كانت، حتى وقت قريب، حكرًا على نخبة من كبار علماء هذا المجال.
وسلط باحث البرمجيات والكوانت السابق نيل سوماني الضوء على هذا التحول، بعدما حصل على حل متكامل لمسألة رياضية معقدة عقب تشغيل أحد أحدث نماذج شات جي بي تي لمدة 15 دقيقة فقط. وأوضح أن تجربته هدفت إلى اختبار حدود الاستدلال الرياضي لدى نماذج اللغة الكبيرة، إلا أن النتائج تجاوزت توقعاته، معتبراً أن قدرات الذكاء الاصطناعي “بدأت تتقدم بخطوات واضحة”.
وأشار سوماني إلى أن النموذج قدّم سلسلة تفكير عميقة، استندت إلى نظريات وبديهيات رياضية متقدمة، قبل أن يصل إلى برهان متكامل، وهو ما يعكس تطورًا ملحوظًا في آليات الاستدلال المنطقي.
واللافت أن النموذج استند جزئيًا إلى نقاش علمي سابق يعود إلى عام 2013، حين قدّم عالم الرياضيات في جامعة هارفارد، نعوم إلكيس، معالجة لمسألة قريبة من تلك التي طرحها عالم الرياضيات الشهير بول إردوش، قبل أن يطوّر الذكاء الاصطناعي حلاً مختلفًا وأكثر شمولًا.
هذا التقدم لا يُعد حالة فردية، إذ تشهد الرياضيات في الآونة الأخيرة حضورًا متزايدًا لأدوات الذكاء الاصطناعي، سواء في الصياغة الشكلية للبراهين أو في التنقيب الذكي داخل الأدبيات العلمية. ومع ظهور الإصدارات الأحدث من النماذج، ازداد عدد المسائل التي انتقلت من خانة “المفتوحة” إلى “المحلولة”، لا سيما ضمن مجموعة مسائل إردوش الشهيرة التي تضم أكثر من ألف مسألة رياضية.
ومنذ نهاية العام الماضي، جرى حل عدد متزايد من هذه المسائل، مع تسجيل مساهمات مباشرة للذكاء الاصطناعي في نسبة كبيرة منها، ما أثار اهتمام المجتمع الأكاديمي.
وفي هذا السياق، قدّم عالم الرياضيات المعروف تيرينس تاو قراءة متوازنة لهذا التطور، مشيرًا إلى أن الذكاء الاصطناعي أحرز تقدمًا ذاتيًا في بعض المسائل، بينما لعب في حالات أخرى دورًا مساعدًا عبر الربط بين أبحاث سابقة والبناء عليها. ورغم ذلك، أكد أن تأثير هذه النماذج بات واضحًا ومتناميًا.
ويرى باحثون أن قابلية الذكاء الاصطناعي للتوسع تجعله أداة مثالية لمعالجة عدد كبير من المسائل الأقل شهرة، والتي قد تكون حلولها أبسط مما يبدو، ما يفتح الباب أمام عصر جديد من الاكتشافات الرياضية المدعومة آليًا.
ويعزز هذا المسار تطور أدوات الصياغة الشكلية للبراهين، التي تسهم في التحقق الدقيق من النتائج وتسريع عملية البحث، إلى جانب تبني أساتذة بارزين في الرياضيات وعلوم الحاسوب لهذه التقنيات، في مؤشر واضح على أن الذكاء الاصطناعي أصبح عنصرًا أساسياً في مستقبل البحث الرياضي.
المحرر: حسين هادي